الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
232
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الحديثة ، أنه تعبير ينسجم مع أدق النظريات العلمية الحديثة عن تكون العالم ، لقد أظهرت دراسات العلماء أن العالم الكبير ( الكون ) والعالم الصغير ( المنظومة الشمسية ) كانت كلها كتلة واحدة تشققت على أثر الانفجارات المتتالية ، وتكونت المجرات والمنظومات والكرات ، وفي الآية ( 30 ) من سورة الأنبياء بيان أوضح لهذا الأمر : أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما . والنقطة الأخرى التي ينبغي ألا نغفل عنها في هذه الآية هو أنها تقتصر على توكيد اتصاف الله باطعام مخلوقاته ورزقهم ، ولعل ذلك إشارة إلى أن أقوى حاجات الإنسان في حياته المادية هي حاجته إلى " لقمة العيش " كما يقال ، وهذه اللقمة هي التي تحمل الناس على الخضوع لأصحاب المال والقوة ، وقد يصل خضوعهم لأولئك حد العبودية ، ففي هذا يقرر القرآن رزق الناس بيد الله لا بيد هؤلاء ولا بيد الأصنام ، فأصحاب المال والقوة هم أنفسهم محتاجون إلى الطعام ، وأن الله هو وحده الذي يطعم الناس ولا يحتاج إلى طعام . وفي آيات أخرى نرى القرآن يؤكد مالكية الله ورازقيته بإنزال الأمطار وإنبات النباتات ، وذلك لكي يزيل من أذهان البشر كليا فكرة اعتمادهم على مخلوقات مثلهم . ثم للرد على أولئك المشركين الذين كانوا يدعون رسول الله إلى الانضمام إليهم ، يؤكد القرآن على ضرورة رفض دعوة هؤلاء انطلاقا من مبدأ نهي الوحي الإلهي عن ذلك ، إضافة إلى نهي العقل : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ( 1 ) . لا شك أن أنبياء الله والصالحين من أقوامهم سبقوا النبي الخاتم في
--> 1 - جملة إني أمرت . . . من قبيل الخطاب غير المباشر ، وجملة " ولا تكونن " خطاب مباشر ، ولعل هذا الانتقال يقصد به القول بأن الابتعاد عن الشرك واستنكاره أهم بكثير من أن يكون المرء أول المسلمين ، ولذا جاء موضوع تجنب الشرك في خطاب مباشر ومؤكد بنون التوكيد الثقيلة .